محمد رأفت سعيد
102
تاريخ نزول القرآن الكريم
سورة « المدثر » ومع روضة أخرى من رياض الذكر الحكيم مع سورة « المدثر » ، والتي نزلت بعد سورة « المزمل » وهي مكية في قول الجميع « 1 » ، وهي ست وخمسون آية ، والمدثر هو : الذي قد تدثر بثيابه ، أي تغشى بها ونام ، وجاء في سبب نزولها ما جاء في صحيح مسلم عن جابر بن عبد الله رضي اللّه عنه وكان يحدث ، فقال : قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم - وهو يحدث عن فترة الوحي : « فبينما أنا أمشى سمعت صوتا من السماء فرفعت رأسي ، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسي بين السماء والأرض ، قال رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم : « فجئثت منه فرقا - أي ذعرت وخفت « 2 » - فرجعت فقلت : زملوني زملوني ، فدثروني فأنزل الله تعالى : قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) » . ثم تتابع الوحي والخطاب « 3 » في هذه السورة الكريمة - كما كان في السورة السابقة سورة المزمل فيه ملاطفة ، إذ ناداه الكريم سبحانه بحاله ، وعبر عنه بصفته ولم يقل : يا محمد ، ويا فلان ؛ ليستشعر اللين ومثل ذلك في الأساليب قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعلى رضي اللّه عنه إذ نام في المسجد : « قم أبا تراب » ، وكان خرج مغاضبا لفاطمة رضي اللّه عنها ، فسقط رداؤه ، وأصابه ترابه ، أخرجه مسلم . وهذه الملاطفة كان لها وقعها الكريم ، وهي عنصر من عناصر التكوين النفسي لمواجهة التحديات الخطيرة في تلك الفترة فالمشركون يكيدون كيدا ، ويقفون في طريق الدعوة ، ويحاولون تشويه شخصية النبي صلّى اللّه عليه وسلم لدى من لا يعرفه من القادمين إلى مكة ، ويتعرضون بالأذى للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ولمن آمن معه فكان - كما سبق أن ذكرنا مع سورة المزمل - البناء والتدعيم من الله تعالى لرسوله صلّى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين . ويستمر هذا العطاء الكريم في هذه السورة الكريمة ففي المزمل قال الله لرسوله : « قم » ، وفي المدثر قال له أيضا : « قم » ، ولكن القيام السابق في المزمل قيام الليل لبناء النفس وتقويتها في حسن وقوفها بين يدي الله في صلاة خاشعة ، وفي المدثر قيام بهذه النفسية القوية لمواجهة الناس بالإنذار مع استمرار التدعيم والتقوية لاستمرار عناد
--> ( 1 ) القرطبي 19 / 59 . ( 2 ) القاموس المحيط 1 / 169 . ( 3 ) القرطبي 19 / 60 .